ملا محمد مهدي النراقي
513
انيس المجتهدين في علم الأصول
في المعلوليّة يكون حينئذ بظاهر عامّ ، فيتأتّى التخصيص من طرف كلّ منهما ، فكما يجوز تخصيص العلّة بغير محلّ النقض ، فكذا يجوز تخصيص الحكم بغير محلّ عدم العكس . قلت : هذا حقّ ، ولكنّ معنى تخصيص الحكم العامّ أن يجعل العلّة علّة لبعض أفراده دون بعضها الآخر ، وهذا البعض لا بدّ له من علّة أخرى ، فهو يتوقّف على جواز تعليله بعلّتين ، وبدونه لا يجوز ؛ للزوم ثبوت الحكم بدون علّة . وبما ذكر ظهر أنّ الجواب عن عدم العكس إمّا بيان جواز تعليل الحكم بعلّتين وإسناد ما في محلّ عدم العكس إلى علّة أخرى ، أو بيان التخصيص في الحكم وإن لم ينفكّ هذا عن الأوّل ، كما أنّ تخصيص العلّة لا ينفكّ عن وجود مانع ، أو انتفاء شرط وهو « 1 » إنّما يتأتّى في المنصوصة ، ووجهه ظاهر ممّا تقدّم « 2 » في النقض . وقد بان ممّا ذكر أنّ استناد الحكم هنا إلى علّة أخرى قائم مقام وجود المانع ؛ أو انتفاء الشرط في النقض . بقي الكلام في جواز تعليل الحكم بعلّتين أو علل عقلا وقد اختلف فيه على أقوال « 3 » : ثالثها الجواز في المنصوصة دون المستنبطة « 4 » ، ورابعها عكسه « 5 » . ثمّ بعد الجواز قد اختلف في الوقوع ، فالأكثر « 6 » عليه أيضا . وقيل بعدمه « 7 » . ومحلّ الخلاف تعليل الحكم الواحد بالشخص - أي متّحد المحلّ « 8 » - بعلّتين أو علل ، كلّ
--> ( 1 ) . أي المبطل الثاني وهو عدم العكس . ( 2 ) . تقدّم في ص 506 . ( 3 ) . راجع : المحصول 5 : 271 ، ونهاية السؤل 4 : 195 ، وتمهيد القواعد : 266 ، القاعدة 95 . ( 4 ) . قاله الفخر الرازي في المحصول 5 : 271 ، والأسنوي في نهاية السؤل 4 : 195 ، والشهيد الثاني في تمهيد القواعد : 266 ، القاعدة 95 . ( 5 ) . حكاه الغزالي عن القاضي الباقلاني في المستصفى : 336 ، ونسبه الشهيد الثاني في تمهيد القواعد : 266 إلى الفخر الرازي ، ولكنّ كلامه في المحصول 5 : 271 ، خلاف لما نسب إليه الشهيد . ( 6 ) . راجع : المحصول 5 : 271 - 278 ، والإحكام في أصول الأحكام 3 : 258 ، وتمهيد القواعد : 266 ، القاعدة 95 . ( 7 ) . قاله الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 3 : 258 . ( 8 ) . هذا التفسير لإخراج مسألة استحالة صدور الواحد عن الكثير عمّا نحن فيه ؛ فإنّ الوحدة في تلك المسألة حقيقيّة وفيما نحن فيه غير حقيقيّة ، كما في مثال إباحة وطء امرأة بعينها بالعقد والملك ؛ فإنّ امرأة بعينها لا يمكن أن يباح وطؤها بكليهما إلّا أن تكون زمانا أمة ، فإباحة وطئها بالملك ، وإذا عتقت وصارت حرّة فإباحة وطئها بالعقد ، فصارت ذات إباحتين ، وهذا ليس صدور الواحد عن الاثنين .